هلال بن محسن الصابي
7
الوزراء
المناقضين ، أن اللّه تعالى خلق الحيوانات كلّها على اختلاف الفطر والأوضاع ، وتباين الصّور والأنواع ، خلقا واحدا في الأشخاص والأشباح ، والأفئدة والأرواح ، ثم خصّ الإنسان من بينها بالعقل الذي أرشده به إلى معرفته ، وما أراده له من عبادته ، وأوجب له من الطاعة وشكر المنّة مزيدا حاضرا ، وثوابا منتظرا ، وأوجب عليه عن المخالفة وكفر النعمة انتقاما عاجلا ، وعذابا آجلا : لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ « 1 » . وجعل عطاه الإفضال أكثر ، وعطاء العقل أقلّ ، لأن مادة الإفضال غزيرة ، ومادة العقل عزيزة . وقد اختلف في كيفية العقل ، فقال قوم : نور من اللّه مقتبس ، وقال آخرون : خلق مستخلص ، واستشهدوا بالحديث الذي ترويه العامة « من أن اللّه تعالى قال للعقل وقد خلقه : أقبل . فأقبل . وأدبر ، فأدبر . فلما فعل ذاك قال : وعزّتى وجلالي وعظمتي ما خلقت خلقا أحسن منك ، بك آخذ وبك أعطى » ، وقال أهل الكلام : هو معارف يجمعها اللّه تعالى في قلب عبده إذا أخذه بالتكليف يحسّن له بها الحسن ويقبّح القبيح . وإنما سمى عقلا لأنه يعقل عن القبيح ، أي يحبس كعقال الناقة الذي يمنعها أن تسرح . وليس تكليف العقلاء كتكليف الجهلاء ، ولا آلة الفريقين في الأفعال متوازية ، ولا مؤاخذتهما بالأعمال متساوية ، ولذلك قال اللّه تعالى : إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ « 2 » ، ولو أوخذ الجاهلون كما يؤاخذ العالمون لكان ذلك جورا في القضاء ، وحيفا في الجزاء ، لأن اللّه تعالى كلّف كل نفس بحسب قوّتها ، وأخذها بما جعله في قدرتها . ولو أن أحدا
--> ( 1 ) الأنفال 42 . ( 2 ) فاطر 28 .